فخر الدين الرازي

397

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الوجه الأول من الجواب : قوله : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ والمعنى أن الحذر لا يدفع القدر ، والتدبير لا يقاوم التقدير ، فالذين قدر اللّه عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا على جميع التقديرات ، لأن اللّه تعالى لما أخبر أنه يقتل ، فلو لم يقتل لانقلب علمه جهلًا ؛ وقد بينا أيضا أنه ممكن فلا بد من انتهائه إلى إيجاد اللّه تعالى ، فلو لم يوجد لانقلبت قدرته عجزاً ، وكل ذلك محال ، ومما يدل على تحقيق الوجوب كما قررنا قوله : الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ وهذا الكلمة تفيد الوجوب ، فإن هذه الكلمة في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ البقرة : 178 ] تفيد وجوب الفعل ، وهاهنا لا يمكن حملها على وجوب الفعل ، فوجب حملها على وجوب الوجود وهذا كلام في غاية الظهور لمن أيده اللّه بالتوفيق . ثم نقول للمفسرين : فيه قولان : الأول : لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم من كتب اللّه عليهم القتل إلى مضاجعهم ومصارعهم حتى يوجد ما علم اللّه أنه يوجد ، والثاني : كأنه قيل للمنافقين لو جلستم في بيوتكم وتخلفتم عن الجهاد لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار إلى مضاجعهم ، ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم . الوجه الثاني في الجواب عن تلك الشبهة : قوله : وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وذلك لأن القوم زعموا أن الخروج إلى تلك المقاتلة كان مفسدة ، ولو كان الأمر إليهم ، لما خرجوا إليها ، فقال تعالى : بل هذه المقاتلة مشتملة على نوعين من المصلحة : أن يتميز الموافق من المنافق ، وفي المثل المشهور : لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين ، ومعنى الابتلاء في حق اللّه تعالى قد مر تفسيره مراراً كثيرة . فإن قيل : لم ذكر الابتلاء وقد سبق ذكره في قوله : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [ آل عمران : 152 ] . قلنا : لما طال الكلام أعاد ذكره ، وقيل الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين ، والثاني سائر الأحوال . والوجه الثالث في الجواب : قوله : وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وفيه وجهان : أحدهما : أن هذه / الواقعة تمحص قلوبكم عن الوساوس والشبهات ، والثاني : أنها تصير كفارة لذنوبكم فتمحصكم عن تبعات المعاصي والسيئات ، وذكر في الابتلاء الصدور ، وفي التمحيص القلوب ، وفيه بحث ثم قال : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . واعلم أن ذات الصدور هي الأشياء الموجودة في الصدور ، وهي الأسرار والضمائر ، وهي ذات الصدور ، لأنها حالة فيها مصاحبة لها ، وصاحب الشيء ذوه وصاحبته ذاته ، وإنما ذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفي عليه ما في الصدور ، أو غير ذلك ، لأنه عالم بجميع المعلومات وإنما ابتلاهم إما لمحض الإلهية ، أو للاستصلاح . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 155 ] إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 155 ) واعلم أن المراد أن القوم الذين تولوا يوم أحد عند التقاء الجمعين وفارقوا المكان وانهزموا قد عفا اللّه عنهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفت الأخبار فيمن ثبت ذلك اليوم وفيمن ، فذكر محمد بن إسحاق أن ثلث